الشيخ محمد رشيد رضا

443

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

القرآن هو الهداية بأن تكون تلاوته عظة وذكرى وعبرة ينمي بها الايمان والمعرفة باللّه عز وجل ، وبسننه في خلقه ، وحكمته في عباده ، ويقوى بها شعور التعظيم والحب له ، وتزيد الرغبة في الخير ، والحرص على التزام الحق ، ولو طال سرد الآيات في موضوع واحد - ولا سيما موضوع أحكام المعاملات البشرية - لملّ القارئ لها في الصلاة وغير الصلاة ، أو غلب على قلبه التفكر في جزئياتها ووقائعها ، فيفوت بذلك المقصد الأول ، والمطلوب الذي عليه المعوّل ، وحسب طلاب الأحكام المفصلة فيه أن يرجعوا إليها عند الحاجة في الآيات المتفرقة ، والسور المتعددة ، ولا يجعلوها هي الأصل المقصود من التلاوة في الصلاة وللتعبد في غير الصلاة ، فإن الأصل الأول هو ما علمت أما قوله تعالى وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ فمعناه يطلبون منك أيها الرسول الفتيا في شأنهن ، وبيان المشكل والغامض عليهم في أحكامهن ، من حيث الحقوق المالية والزواج لأجلها والنشوز والخصام والصلح والعدل والعشرة والفراق ، ويدل على ذلك كله الجواب في الآيات الأربع ، وهو من ايجاز القرآن البديع ، وغفل عن هذا من قال إن المراد يستفتونك في ميراثهن لما روي في سبب نزولها من أن حصن بن عيينة قال للنبي ( ص ) بلغنا انك تعطي البنت والأخت النصف وانما كنا نورّث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة فقال ( ص ) « بذلك أمرت » . فياللّه للعجب ! كيف يغفل أمثال أولئك الأذكياء بمثل هذه الرواية عما تدل عليه الآيات الواردة في موضوع واحد هو استفتاء وفتوى فيقطعونها إربا إربا ، ويجعلونها جذاذا وافلاذا لا صلة بينها ، ولا جامعة تضمها ؟ ، وروي عن ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح أن الآية نزلت في بنات أم كحة وميراثهن عن أبيهن ، وعن عائشة أنها نزلت في اليتيمة تكون في حجر الرجل وهو وليها فيرغب في نكاحها إذا كانت ذات جمال ومال بأقل من مهر مثلها ، وإذا كانت مرغوبا عنها لقلة مالها وجمالها تركها ، وفي رواية هي اليتيمة تكون في حجر الرجل وقد شركته في ماله فيرغب عنها ان يتزوجها لدمامتها ،